صندوق باندورا

 

صندوق باندورا

لعلك تسائلت فى يوم من الأيام ما مصدر الشرور والفساد التى انتشرت فى العالم؟ وإذا كان هناك شر فلا بدّ من الخير لمواجهته فما ذلك المصدر؟ لعل تلك الأسئلة ترتبط بأسطورتنا (صندوق باندورا).
صندوق باندورا الصندوق الملعون الذى يحتوى على جميع الصفات السيئة والشريرة التى انتشرت بعد فتح هذا الصندوق.
تبدأ قصة صندوق باندورا بالنزاع بين الإله زيوس كبير الآلهه الإغريقية وبروميثيوس خالق البشر فى الأساطير الإغريقية.
فى بداية الزمن إبيميثيوس وبروميثيوس كانا مسؤولان عن خلق الإنسان،كان بروميثيوس من الجبابرة الذين يحبون البشر،والجبابرة حسب الأسطورة هم الشعب العملاق الذى حارب إلى جانب الآلهه.
كان بروميثيوس يساعد البشر بكل ما بوسعه،ولما رآهم يرتجفون من البرد فى الليل القارس ويأكلون اللحم نيئاً،عرف بأنهم بحاجة إلى النار،لكن الآلهه لم تسمح للإنسان بامتلاك النار لأنه قد يسىء استخدامها وينشر الدمار بواسطتها،لكن بروميثيوس كان متأكداً بأن الرجل الصالح سيتغلب على الأمور السيئة وينتفع منها من أجل الخير،ولهذا قام بروميثيوس بسرقة النار من الآلهه ليعطيها للإنسان،فقرر زيوس معاقبة بروميثيوس على فعلته بدهاء،وهكذا كان قرار زيوس من خلق باندورا.
تقول الأساطير الإغريقية أن باندورا كانت أول امرأة على وجه الأرض،حيث قرر زيوس خلق امرأة جميلة لا يقاوم جمالها كل من ينظر إليها وذلك رغبةً فى الانتقام من بروميثيوس،فاستدعى آلهه الجمال أفروديت وطلب من زوجها هفستوس وهو إله الحرفة المبدعة بأن يصنعها له،فصنع هفستوس تمثال امرأة جميلة جداً من أفروديت التى كانت أمامه،واستخدم لذلك الماء وتربة الأرض وأسماها باندورا،وعندئذ منحتها الآلهه الأخرى عدة هبات فأثينا قامت بإلباسها،وأفروديت أعطتها الجمال،وهرمز منحتها النطق والحديث،ونفخ فيها زيوس روح الحياة وأرسلها إلى الأرض.

عند مجىء باندورا رغب بروميثيوس بها،ومع ذلك رفضها،لأنه كان يعلم بأنها لا بد أن تكون حيلة من الآلهه،فأصبح زيوس غاضباً وعاقب بروميثيوس وقيده بالسلاسل على صخرة،وكان يأتى إليه طائر العقاب يومياً ليتغذى على لحمه.
علم بروميثيوس أنه سوف يعاقب من قبل زيوس وإن البشرية فى خطر شديد،فأخبر أخاه إبيميثيوس بذلك وطلب منه ألا يقبل أى هدية من الألهه،فوعده إبيميثيوس بعدم قبوله أى هدية من الألهه وأيضاً سوف يحافظ على البشرية.
أعطى زيوس هدية لباندورا البعض يقول أنها عبارة عن جرة،والبعض الآخر يقول أنها عبارة عن مرجع،وآخرون يقولون صندوق أو علبة مجوهرات،وقال لها زيوس أنه هدية لإبيميثيوس وأمرها ألا تفتح الصندوق تحت أى ظرف من الظروف،وأمر هرميز رسول الآلهه أن يهدى باندورا والصندوق لإبيميثيوس،عندما رأى إبيميثيوس باندورا كان مذهولاً بجمالها ونسى ما قاله بروميثيوس بأن يرفض أى هدايا من الآلهه.
تزوج إبيميثيوس من باندورا وكانت زوجة صالحة تعتنى بالبيت والنباتات الموجودة فى الحديقة.
كانت تعتقد أنها وزوجها أسعد زوجين على وجه الأرض،لكن أمراً واحداً كان يزعجها ويشغل بالها وتفكيرها وهو الصندوق الذهبى،كانت تضعه على المنضدة وتنظفه يومياً كى يعجب به كل من يراه،فعندما تسقط أشعة الشمس على سطحه يتوهج ويبرق بألوان الطيف المختلفة التى تزيده جمالاً على جمال وتضفى على نقوشه روعةً على روعة.
راحت باندورا تتساءل:لماذا أهداها زيوس ذلك الصندوق وطلب منها عدم فتحه وقد أصبح ملكاً لها؟ وإذا كان الصندوق الذهبى بهذا الجمال والروعة من الخارج فكيف يكون من الداخل؟
حملت باندورا الصندوق عن المنضدة أمام النافذة ورمته فى غرفة مظلمة بعيداً عن عينيها وتفكيرها،ولكن ذلك لم يفعل شيئاً سوى زيادة الفضول لديها،وكانت تخلق الحجج والأعذار لكى تدخل الغرفة.
وجاء اليوم الذى أضاءت أشعة القمر الغرفة،لم تستطع باندورا النوم،جلست على السرير وظلت تتلفت حولها فى أرجاء الغرفة كلها،خرجت باندورا من الغرفة ومشت على أطراف أصابعها وذهبت إلى الحديقة.

أخذت باندورا الصندوق الذهبى وكانت ترتجف خوفاً،لكن الرغبة فى معرفة ما بداخل الصندوق كانت أقوى من خوفها.
تناولت باندورا مفتاح الصندوق الذى كانت ترتديه على هيئة قلادة وفتحت به الغطاء ببطء،سمعت صوت احتكاك أجساد محشورة فى الصندوق وشمت رائحة كريهة ثم خرجت من الصندوق مخلوقات أشبه بالسحالى ذات أجنحة مثل الخفافيش وعيون تطلق شرراً.
طارت تلك المخلوقات وحامت حول رأس باندورا مرفرفة يأجنحتها وصائحة بأصوات حادة،ثم اختفت من المشهد فى جنح الليل مصدرة أصوات نقنقة مثل أصوات الدجاج،كادت باندورا تصاب بالإغماء وفى تلك الحالة تمكنت آخر لحظة من غلق الصندوق الذهبى بكامل قوتها على آخر مخلوق صغير لم يتمكن من الهروب واسمه(إلبيس)،ثم أغمى عليها وسقط الصندوق من يدها.


كانت تلك المخلوقات التى هربت من الصندوق هى الأمراض التى بلى بها الإنسان وهى حسب الأسطورة المجاعة واليأس والفشل والحرب والخيانة والغدر وغيرها من الشرور التى انتشرت فى الأرض وعملت على فسادها،شعرت باندورا بحزن شديد لما فعلته،وخشيت أن تواجه عقاب زيوس لأنها لم تلتزم بوعدها له وبواجبها،ما كان أمامها سوى فتح الصندوق مرة أخرى وإطلاق سراح المخلوق الصغير الموجود به المعروف باسم إلبيس وهو روح الأمل،قامت بإطلاق سراحه لمواجهة تلك الشرور التى انتشرت فى الأرض،وإصلاح ما أفسدته.
الحكمة هنا أن الحياة كانت لتنتهى لو بقيت الشرور والأمراض فقط بها،لذلك كان لا بد من خروج الأمل لمحاربة الفساد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكوميهو

ميدوسا (الوحش المظلوم)

ناركيسوس